نذير حمدان
44
حكمة القرآن والحضارة
ويرى الفارابي ( ت 339 ه ) أن موضوعات الدين وموضوعات الفلسفة واحدة ( فكلاهما يعطي المبادئ القصوى للموجودات ، فإنهما يعطيان علم المبدأ الأول السبب الأول للموجودات ، ويعطيان الغاية القصوى التي لأجلها كون الإنسان وهي السعادة القصوى ) . ويرى ابن سينا ( ت 428 ه ) أنه لا يوجد في أقسام الحكمة ما يخالف الدين ويتعارض معه . يقول : ظهر أنه ليس شيء منها يشتمل على ما يخالف الشرع ، فإن الذين يدعونها ثم يزيفون عن منهاج الشرع إنما يضلّون من تلقاء أنفسهم ، ومن عجزهم وتقصيرهم ، لا أنّ الصناعة نفسها توجبه ، فإنها بريئة منهم . أما ابن رشد في كتابه : فصل المقال . . . يقول : إن الحق لا يضادّ الحق بل يوافقه ويشهد له ، ويقول : إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة ، وهما المصطحبتان بالطبع ، المتحابتان بالجوهر والغريزة « 1 » . وقد تشدّنا مواقف أقرب للشريعة من حكماء وملهمين ، أكثر مما هم فلاسفة متأثرون . فالشريعة بنظرهم هي الفلسفة الكبرى كما جاء في كتاب في بيان وجوه الحكمة في الأوامر والنواهي الشرعية سماه أبو زيد البلخي : الإبانة عن علل الديانة ، وكان يقول : الشريعة الفلسفة الكبرى ، ولا يكون الرجل متفلسفا حتى يكون متعبدا مواظبا على أداء أمراء الشرع « 2 » ، ويعدها آخرون ( أقوى الدّواعي ) للعمل الإسلامي مهما تعمّق الحكيم بأسرار
--> ( 1 ) هؤلاء كلهم فلاسفة ما عدا ابن رشد . ويمكن الرجوع بتحفظ وبعد تحصين الفكر بالمبادئ الإسلامية وفي إطار التخصص إلى بعض كتب الفلسفة القديمة والدراسات الحديثة لنقدها والرد عليها غالبا فإن فيها الكثير من الأغاليط والشطط والتبعية ، وذلك بسبب المدى الطويل أو القصير في هيمنة الفلسفة اليونانية على التصورات القرآنية وحكمتها . وقد أخذت هذه الأقوال التي تشعر بالتوفيق بين الدين والفلسفة من كتاب : عبقرية العرب في العلم والفلسفة د / عمر فروخ ، فقرات : العلم والدين - الحكمة والشريعة من ص 143 - 161 ، وتأمل في رسالة : دور الإسلام في تطور الفكر الفلسفي د / محمد حمدي زقزوق ، ورسالة : الفلسفة الإسلامية د / محمد عاطف العراقي ، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية د / مصطفى عبد الرزاق ، وفي الفلسفة الإسلامية : منهج وتطبيق د / إبراهيم مدكور . ( 2 ) من تاريخ الحكماء للبيهقي : 43 ، 75 .